مؤشر العائد الاقتصادي لسيادة القانون - Economic Return of Rule of Law Index (ERLI)
مقترحات تطوير الدولةالعدالة وسيادة القانون
مؤشر الرفاه العراقي العام IWBI - قسم العدالة وسيادة القانون
8/22/20261 دقيقة قراءة


النهضة القضائية الكبرى
قراءة في فلسفة مؤشر العائد الاقتصادي لسيادة القانون (ERLI)
خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط، ارتفع المؤشر العام لسيادة القانون بنحو عشرة بالمئة.
الرقم في ذاته لافت. لكن الأهم منه هو الزمن الذي تحقق فيه. فالمألوف في أدبيات الإصلاح المؤسسي أن مؤشرات سيادة القانون من أبطأ المؤشرات استجابةً على الإطلاق، إنها تتحرك بكسور النقطة سنوياً، لا بعشرات النقاط فصلياً، لأنها تقيس ما هو راسخ وبطيء التغير بطبيعته مثل الإجراءات، والسلوك المؤسسي، وثقة الناس. أن يتحرك مؤشر من هذا النوع بهذا القدر في تسعين يوماً ليس تحسن عادي في الأداء، إنه إشارة على وجود طاقة مؤسسية كامنة لم تكن مستثمرة.
وهذه بالضبط هي الخلاصة التي ينبغي التوقف عندها، القضاء العراقي حين توافرت الإرادة وتوافر التركيز أثبت أنه قادر على إحداث تغيير سريع وملموس. وهو ما يجعل الحديث عن النهضة القضائية الكبرى فرضية أثبتت الأشهر الثلاثة الماضية أنها قابلة للتحقق.
ومن هنا يأتي مقترح أن تُبنى حاضنة العائد الاقتصادي لسيادة القانون الآن، قبل أي نهضة اقتصادية قادمة. لأن الترتيب هنا شرط النجاح. الاقتصاد لا ينهض على قانون لا ينفذ، والاستثمار لا يأتي إلى بلد لا يستطيع المستثمر فيه أن يحسب بدرجة معقولة من اليقين ماذا سيحدث لو أخل الطرف الآخر بالتزامه. البنية القانونية القابلة للإنفاذ ليست ثمرة النهضة الاقتصادية، إنها أرضيتها.
أولاً: الفكرة المركزية: سيادة القانون بوصفها أصلاً لا كلفة
ظل النقاش العام حول القضاء في العراق، ولعقود، محكوم بسؤال محاسبي واحد: كم تنفق الدولة على القضاء؟
هذا سؤال يضع العدالة في خانة النفقات، ويقود منطقياً إلى محاولة ضغط هذا البند كلما ضاقت الموازنة. وهو سؤال ناقص، ليس لأنه قاسي، بل لأنه يقيس الشيء الخطأ.
المقترح هنا هو الانتقال إلى سؤال آخر: كم قيمة الاقتصاد الذي تحميه سيادة القانون؟ وكم قيمة الخسائر التي تُمنع حين يصبح القانون قابلاً للإنفاذ بكفاءة؟
الفارق بين الصيغتين هو الفارق بين رؤية القضاء بنداً في جانب المصروفات، ورؤيته بنية تحتية اقتصادية، شأنه شأن الكهرباء والطرق والموانئ، بل أشد أثراً منها جميعاً. فالكهرباء تشغل المصنع، أما القانون القابل للإنفاذ فهو الذي يجعل قرار بناء المصنع قرار عقلاني من أساسه.
وحين ننظر بهذه العدسة، تتكشف حقيقة اقتصادية غائبة عن دفاتر الدولة كلها: هناك ثروة وطنية معطلة داخل النزاعات. رأس مال مجمد لا يستثمر ولا يقرض مقابله، وعقود مسعّرة بعلاوة مخاطر ثمنها يدفعه المستهلك النهائي، وشركات لا تكبر لأن أصحابها لا يستطيعون تحمّل مخاطر التوسع، ومصارف تحتفظ بسيولتها لأن استرداد الضمان أبطأ من أن يُحتسب. كل هذه ليست مشكلات قانونية معزولة، إنها بنود اقتصادية ضخمة غير مسجّلة في أي ميزانية.
ولنأخذ مثال واحد يوضح الآلية بلا أي تعقيد، المصرف حين يقرض، لا يقرض في حقيقة الأمر مقابل أصل، إنه يقرض مقابل احتمال أن يستطيع التنفيذ على ذلك الأصل عند التعثر. وهذا الاحتمال ليس منتج مصرفي ولا نقدي! إنه منتج قضائي خالص. فكلما ارتفعت الثقة بأن الحق سينفذ خلال مدة معقولة، ارتفع ما يستطيع المصرف إقراضه مقابل الضمان نفسه، دون أن تضخ الدولة دينار واحد. وهذه واحدة من أعمق الحقائق الاقتصادية التي لا يلتفت إليها النقاش العام بأن الإصلاح القضائي سياسة ائتمانية توسعية لا تكلف الموازنة شيئاً.
والأمر نفسه ينسحب على التعاقد. حين يشك التاجر في قدرته على إلزام الطرف الآخر بالتنفيذ، فهو لا يمتنع عن التعاقد بالضرورة بل يرفع السعر، أو يشترط الدفع المسبق، أو يقصر تعاملاته على دائرة ضيقة يعرفها. والنتيجة سوق أصغر، وتخصص أقل، وأسعار أعلى يدفعها المواطن في نهاية السلسلة دون أن يعرف أنه يدفع ثمن بطء إجراء.
مؤشر العائد الاقتصادي لسيادة القانون (ERLI) يقوم على فرضية أن كل عقد محمي، وكل حق منفذ، وكل حكم قابل للتنفيذ، وكل نزاع يحسم في وقت اقتصادي معقول، وكل ملكية مؤمنة، وكل مال عام يسترد وفق القانون كل واحد هذا هو وحدة من القيمة الاقتصادية تعود إلى الدورة الإنتاجية بعد أن كانت خارجها.
ثانياً: ما ليس المؤشر: توضيح لا بد منه
قبل الحديث عن محاور تميزه، لا بد من تثبيت ما ليس هو، لأن سوء الفهم هنا مكلف:
المؤشر لا يقيس ربحية القضاء. ولا يقيس ما يحصله القضاء من أموال. ولا يقترح لا من قريب ولا من بعيد تحويل القضاء إلى جهاز لتحصيل إيرادات الدولة. ولا يجوز استعماله للضغط على أي قاضي لإصدار أحكام مالية.
المبدأ الحاكم للمؤشر بأكمله، والمثبت نصاً في وثيقته التأسيسية:
القضاء الجيد ليس القضاء الذي يحقق أكبر إيراد، بل القضاء الذي يطبق القانون باستقلال وعدالة وكفاءة، والعائد الاقتصادي نتيجة لاحقة لهذه الوظيفة، وليس هدفاً بديلاً عنها.
ويترتب على ذلك التزام صريح لا يستعمل هذا المؤشر في تقييم أداء قاضي فرد بأي حال، ولا تقايض درجته بأي عنصر من عناصر الاستقلال القضائي. وأي تحسن في الرقم يأتي على حساب جودة الحكم أو ضماناته يعد تحسناً باطلاً يلغى. المؤشر أداة تشخيص إجرائي ومؤسسي، لا أداة محاسبة للأشخاص.
ثالثاً: محاور التميز الثلاثة
1. يقيس المسار كاملاً، لا الحكم وحده
الإحصاء القضائي التقليدي حيث في العراق وفي معظم دول العالم النامي ينتهي عند صدور الحكم. لكن الأثر الاقتصادي لا يبدأ إلا بعد الحكم، عند التنفيذ. الحكم غير المنفَّذ، من زاوية الاقتصاد، لا ينتج قيمة إطلاقاً.
يتتبع المؤشر المقترح الرحلة كاملة من نشوء النزاع، إلى التسجيل، إلى الفصل، إلى التنفيذ، إلى وصول الحق فعلياً إلى صاحبه. وهو بذلك يكشف شيئاً لا يظهر في أي إحصاء تقليدي: أين تحديداً تنقطع السلسلة. وهذه معلومة إصلاحية بالغة القيمة، لأنها تحول النقاش من القضاء بطيء وهي عبارة عامة لا تفيد أحداً إلى تحديد دقيق للاختناق ولمن يملك حلّه.
2. يترجم الأداء القضائي إلى لغة يفهمها الاقتصاد
هذه هي الوظيفة الأهم على الإطلاق. القضاء يتحدث بلغة الإجراءات والمدد والأحكام، والاقتصاد يتحدث بلغة القيمة والمخاطر والعائد. وبين اللغتين انفصال تاريخي جعل المؤسسة القضائية عاجزة عن التعبير عن قيمتها الاقتصادية بلغة يفهمها وزير المالية والمستثمر والمصرفي.
المؤشر هو المترجم بين اللغتين. وحين تتوافر هذه الترجمة، يتغير موقع القضاء في وثائق الدولة كلها لا يعود مطالباً بموارده بوصفه جهة خدمية، بل بوصفه جهة تحمي قيمة اقتصادية وطنية قابلة للتقدير.
3. يعامل فجوة البيانات بوصفها جزءاً من التشخيص لا عذراً عنه
المنهج التقليدي في بناء المؤشرات يستبعد ما لا تتوفر عنه بيانات وهو ما يكافئ الغياب ضمناً. المؤشر هنا يعكس المعادلة حيث توافر البيانات نفسه بُعد يُقاس. وهكذا يتحول نقص المعلومة من عائق أمام القياس إلى مكون فيه وحافز على معالجته.
رابعاً: ما الذي يحله هذا المؤشر لمجلس القضاء الأعلى تحديداً؟
هنا يكمن الجانب العملي، وهو الأهم:
أولاً: يمنح المجلس أداة تفاوض مؤسسية. حين يتقدم المجلس بطلب موارد أو ملاك قضائي أو بنية رقمية، يصبح بيده ما هو أقوى من الحاجة الإدارية: حجة اقتصادية مقدرة بالأرقام عن القيمة التي يحميها والخسارة التي يمنعها. وهذا يغير طبيعة الحوار مع السلطتين التنفيذية والتشريعية جذرياً.
ثانياً: يوفر خريطة إصلاح داخلية دقيقة. لا يقول المؤشر القضاء بحاجة إلى إصلاح، بل يحدد: أي بُعد بالضبط هو الاختناق، وما مردود معالجته، وما كلفتها، وأي الإصلاحات يعطي أعلى عائد بأقل جهد.
ثالثاً: يبين أن الكتلة الحرجة من الإصلاح بيد المجلس نفسه. فمن أصل أربع وعشرين توصية عملية وردت في الوثيقة التأسيسية، ثماني عشرة توصية (نحو 75%) تقع ضمن الاختصاص الذاتي للسلطة القضائية الاتحادية بموجب قانون التنظيم القضائي وقانون مجلس القضاء الأعلى أي أنها قابلة للتنفيذ بقرار تنظيمي أو تعميم قضائي أو قرار إداري، دون انتظار تشريع من البرلمان. والباقي، وهو ربع التوصيات، تشريعات وقرارات تنفيذية تأتي لتثبيت المكاسب وتوسيعها، لا لإطلاقها.
هذه نتيجة مشجّعة عملياً حيث مسار الإصلاح يمكن أن يبدأ فوراً، ونتائجه الأولى يمكن أن تظهر خلال اثني عشر إلى أربعة وعشرين شهراً.
رابعاً: يحمي المؤسسة القضائية من النقد غير المنصف. فالمؤشر يفصل صراحةً بين ما تتحكم فيه السلطة القضائية وما هو خارج سيطرتها، ويمنع تحميلها تبعة عوامل لا تملك أدواتها. هذا الفصل، في بيئة يكثر فيها التعميم، درع مؤسسي حقيقي.
خامساً: يضع القضاء العراقي على الخريطة الدولية. العراق اليوم غير مشمول بالتغطية في المؤشر الدولي الأبرز لسيادة القانون، وأداؤه ضعيف التمثيل في مؤشرات بيئة الأعمال. وهذا الغياب لا يقرأ حياداً في نماذج تسعير المخاطر لدى صناديق الاستثمار ومؤسسات التصنيف، بل يُملأ افتراضياً بأسوأ تقدير إقليمي. وإنتاج بيانات وطنية موثوقة هو الطريق الوحيد لتصحيح ذلك وهو بذاته إجراء ذو عائد اقتصادي مباشر.
خامساً: لماذا الآن تحديداً؟
لأن الجهد القضائي الأخير في فرض القانون ومحاسبة الفاسدين أثبت شيئاً لا يستهان به أن المنظومة قادرة على التحرك السريع حين تتوافر الإرادة. وهذه الطاقة، إن لم تُؤطَّر بمنهجية قياس تراكمية، تبقى إنجازاً ظرفياً يُنسب إلى لحظة بعينها.
المؤشر هو ما يحول الإنجاز الظرفي إلى مسار مؤسسي مستدام يقاس سنوياً، ويقارن بنفسه، ويراكم أثره، ويوثق بحيث لا يذهب مع تغير الأشخاص أو الظروف.
وهذا هو معنى بناء الحاضنة الآن أن نؤسس أدوات القياس والبيانات والتشخيص قبل لا بعد، حتى إذا جاءت النهضة الاقتصادية وجدت أمامها منظومة قانونية جاهزة لاستقبالها، لا منظومة تلهث خلفها.
الملف المرفق
الوثيقة المرفقة أدناه هي مقترح تفصيلي لبناء المؤشر داخل مجلس القضاء الأعلى نحو خمسين صفحة تتضمن الإطار النظري الكامل، والبنية القياسية بركائزها الأربع وأبعادها الستة عشر، والمنهجية الإحصائية، وخريطة البيانات المطلوبة وكيفية جمعها، وحزمة التوصيات مصنّفة بالجهة المختصة والأفق الزمني، وقسماً نقدياً يحدد ضوابط الاستعمال والخطوط الحمراء التي تحكمه.
وهي مقدمة كإطار عمل قابل للبناء عليه والتعديل والتطوير، لا كنص نهائي.
وهي هدية مكتب تطوير المشاريع، دعماً للجهود القضائية الأخيرة في فرض القانون ومحاسبة الفاسدين.
قانون ينفذ ثم اقتصاد يبنى.
قم بمتابعتنا على صفحات التواصل
نتعاون معاً لتحسين الانتاجية
والاداء التنظيمي في مؤسسات العراق
info@dngo.org
+9647840222307
© 2023-2026 All Rights Reserved.
للاتصال الفوري بنا


