استراتيجية تطوير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية
مقترحات تطوير الدولةالاستراتيجيات الوطنيةالمهارات والقدرات لسوق العمل
قسم السياسات العامة
9/21/20261 دقيقة قراءة


من الإعانة إلى الفرصة
لماذا تحتاج وزارة العمل العراقية إلى إعادة هيكلة لا إلى زيادة تخصيصات؟
مقال تحليلي عن استراتيجية تطوير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، مكتب تطوير المشاريع / القسم الاستشاري لتطوير مؤسسات العمل
الرقم الذي يلخص الملف كله
تدير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية اليوم أكبر منظومة تحويلات اجتماعية في تاريخ العراق: نحو 7.6 مليون مستفيد من إعانات الحماية الاجتماعية، أي ما يقارب 16 إلى 17 بالمئة من السكان، موزعين على نحو 2.1 مليون أسرة، إضافة إلى أكثر من 360 ألف مستفيد من راتب المعين المتفرغ، بإنفاق سنوي يتجاوز 7 تريليونات دينار.
وتشرف الوزارة نفسها، في الوقت ذاته، على سوق عمل تبلغ فيه البطالة نحو 13 إلى 14 بالمئة بعد أن كانت 16.5 بالمئة في مسح القوى العاملة عام 2021، وبطالة شباب تقارب 35 بالمئة، ومشاركة نسائية لا تتجاوز 11 بالمئة، وعمالة غير رسمية تشمل نحو ثلثي المشتغلين.
الاستنتاج الذي تبني عليه الوثيقة كل ما يليها جملة واحدة: الوزارة تدير سياسة تعويض عن الاقتصاد أكثر مما تدير سياسة تشغيل للاقتصاد. واستمرار هذا النموذج سيجعل الإنفاق الاجتماعي عبئاً مالياً متصاعداً دون أثر تنموي مكافئ.
السؤال صعب لكن لنتجرعه
لا تسأل الوثيقة: كيف نزيد تغطية الإعانات؟ فالتغطية اتسعت فعلاً وبصورة غير مسبوقة، من نحو 1.4 مليون أسرة قبل 2023 إلى نحو 2.1 مليون أسرة، وهو إنجاز شمولي حقيقي. السؤال الذي تطرحه أدق وأصعب: كيف تتحول الوزارة خلال أربع سنوات من مؤسسة رعائية إجرائية إلى مؤسسة رقمية استباقية قائمة على البيانات، تخرج القادرين على العمل إلى دخل مستدام، وتحمي غير القادرين حمايةً كاملة، وتقاس بنتائجها لا بحجم صرفها؟
سبع حقائق في هيكلة الوزارة الحالية
الأولى، المشاركة قبل البطالة. المشكلة الأعمق ليست البطالة المسجلة بل ضيق قاعدة المشاركة: أقل من 40 بالمئة من السكان في سن العمل نشطون اقتصادياً، ومشاركة النساء من الأدنى عالمياً. ومعنى ذلك أن كل نقطة تحسّن في معدل البطالة قد تخفي خروجاً من سوق العمل لا دخولاً إليه، وهو ما يستوجب أن تقيس الوزارة المشاركة والتشغيل، لا البطالة وحدها.
الثانية، هيمنة اللارسمية. ثلثا المشتغلين بلا عقود ولا ضمان، أي أن أغلب العمل العراقي يقع خارج مظلة الوزارة الرقابية والتأمينية معاً. وقانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 18 لسنة 2023 وفّر البوابة القانونية، لكن الانتقال إلى الرسمية ظل محدوداً لغياب أدوات التسجيل الميسر والحوافز والرقابة.
الثالثة، الوزارة أرخبيل لا هيكل. التراكم التشريعي أنتج دوائر تقليدية أُنشئت بقوانين السبعينيات والثمانينيات، وهيئات حديثة أُنشئت بقوانين مستقلة لكل منها مجلس وصلاحيات وقاعدة بيانات، بلا طبقة تكامل مؤسسي أو معلوماتي تجمعها. والنتيجة العملية أن المواطن الواحد قد يكون مسجلاً في أربع قواعد بيانات منفصلة (حماية اجتماعية، إعاقة، تدريب، ضمان) لا تتحادث فيما بينها.
الرابعة، استهداف فئوي لا استهداف رفاه. الاستهداف الحالي مستند إلى الحالة (أرملة، مطلقة، عاطل) لا إلى قياس الرفاه الفعلي للأسرة، ما يسمح بتسرب لغير المستحقين واستبعاد مستحقين في آن واحد. وخطاب الوزارة نفسه يقر بوجود مئات الآلاف من القادرين على العمل ضمن المتلقين. يضاف إلى ذلك غياب بوابة خروج الإعانة تبدأ ولا تنتهي، فتتحول من مصدّ فقر إلى مثبط عمل.
الخامسة، فجوة القياس. التقارير سنوية وصفية، ولا توجد لوحات مؤشرات لحظية، ولا معايير خدمة معلنة للزمن والجودة والرضا، ولا تدقيق مستقل لدقة الاستهداف. ودقة الاستهداف نفسها، بشقّيها (نسبة التسرب ونسبة الاستبعاد)، غير مقاسة منهجياً حتى اليوم.
السادسة، الحوكمة المالية. كشفت أحداث 2025 المتعلقة بحساب صندوق الرعاية، وفي مقدمتها تجميد حساب بقيمة تقارب 2.5 تريليون دينار وضعف المطابقة المصرفية، حاجة صريحة إلى إدارة خزينة ومطابقة يومية وحوكمة صناديق مستقلة التدقيق.
السابعة، العدالة الجغرافية. يتفاوت الفقر بين المحافظات من نحو 7 بالمئة إلى 43.6 بالمئة كما في المثنى، دون أن يقابله تمايز مكافئ في كثافة البرامج والتخصيصات.
أخطر منطقة في التحول: الرقمنة السطحية
من أهم ما يحسب للوثيقة أنها تسمي خطراً لا يسمى عادة. فجرد الخدمات أظهر أن أغلبها يقع في منطقة الرقمنة الجزئية: واجهة إلكترونية للتقديم يعقبها مسار ورقي داخلي. وهذه، بحسب التشخيص، أخطر مناطق التحول لأنها توحي بالإنجاز الرقمي دون تغيير أساس العملية. الخدمة التي تُقدم إلكترونياً ثم تنتظر أشهراً في نظام وجبات ليست خدمة رقمية، بل معاملة ورقية بواجهة أنيقة.
التحولات الخمسة المقترحة
تختصر الاستراتيجية مسارها في خمسة تحولات متزامنة من الإعانة النقدية الدائمة إلى التمكين المشروط ومسار التخرج ومن الوساطة التشغيلية التقليدية إلى منظومة تشغيل ذكية ترتكز على المهارات ومن دوائر متوازية متداخلة إلى هيكل وظيفي مندمج بوحدات سياسات واستشراف ومن المعاملة الورقية بمنافذ متفرقة إلى ملف اجتماعي موحد وخدمات رقمية شاملة ومن التقارير اللاحقة الوصفية إلى قياس لحظي وإنذار مبكر ودعم قرار.
من الشبكة إلى السلّم
جوهر إصلاح الحماية أن تُعاد صياغتها بوصفها سلّماً من أربع درجات لا شبكة ثابتة يبدأ من حماية دائمة غير مشروطة لغير القادرين على العمل مع مراجعة دورية للبيانات وحماية مشروطة للأسر الفقيرة ذات الأطفال مقابل اشتراطات صحة وتعليم وتمكين انتقالي للقادرين على العمل عبر إعانة متناقصة على 24 شهراً مقترنة بعقد تمكين موثق وتخرج مسند يبقي المنافع غير النقدية 12 شهر مع ضمان اجتماعي مدعوم لمن التحق بعمل أو مشروع.
ويسند ذلك إصلاح استهدافي واضح: اعتماد اختبار الوسائل بالمؤشرات المتعددة محدَثاً على بيانات المسح الاجتماعي والاقتصادي 2024 والتعداد، وربط بيني إلزامي آلي مع البطاقة الوطنية الموحدة وقاعدة رواتب الدولة والتقاعد وسجل الضمان والبطاقة التموينية وسجلات الملكية والمركبات لرفض الازدواجية آلياً قبل الصرف، وإعادة تدقيق شاملة للقاعدة خلال 24 شهراً بمنهجية معلنة وتظلم إلكتروني ميسر.
ويرافق ذلك شرط اتصالي حاسم: حملة تواصل تفصل بوضوح بين تصحيح الاستهداف وتقليص الحقوق. فالخلط بينهما هو ما يُفشل الإصلاحات الاجتماعية عادةً قبل أن تبدأ.
الإصلاح يمول نفسه من داخله
هنا يقع أذكى ما في البناء المالي للوثيقة. الإنفاق الجاري على الإعانات، نحو 6.2 تريليون دينار للحماية إضافة إلى ما يقارب 0.8 تريليون لرواتب المعين المتفرغ بحساب المعدلات المعلنة لعام 2026، يشكل بذاته القاعدة التمويلية للإصلاح دون طلب تخصيصات ضخمة جديدة. إذ يُعاد توجيه الوفر الناتج عن ضبط الازدواجية وتصحيح الاستهداف، والمقدر بـ 8 إلى 12 بالمئة عند اكتمال المنظومة، إلى ثلاث نوافذ بنسب استرشادية منها 50 بالمئة لرفع كفاية الإعانة للفئات الأشد فقراً قياساً بخط الفقر البالغ 137 ألف دينار للفرد، و35 بالمئة لتمويل عقود التمكين وبرامج التشغيل المرتبطة، و15 بالمئة لرسملة صندوق استقرار الإعانات للصدمات.
بهذه الهندسة يتحول الإصلاح من تقشف اجتماعي إلى إعادة توزيع داخل المنظومة لصالح الأفقر والأكثر جدية في التمكين، وهو فرق سياسي قبل أن يكون فرق محاسبي.
التشغيل: أربعة مسارات ورقم لا مهرب منه
يحتاج العراق إلى ما لا يقل عن 400 إلى 450 ألف فرصة عمل صافية سنوياً في المتوسط حتى 2031 لاستيعاب الداخلين الجدد وخفض المخزون القائم من البطالة، وهو ما لا يمكن للقطاع العام توفيره. لذلك تقوم الاستراتيجية على أربعة مسارات متوازية: التشغيل بأجر في القطاع الخاص، وريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة، والتدريب التحويلي للمهارات، والاقتصاد الرقمي ووظائف المستقبل.
والابتكار الحقيقي ليس في المسارات بل في تصميم الحوافز: الدفع مقابل النتيجة لا مقابل التعاقد. يُصرف 30 بالمئة من الحافز عند توقيع عقد مسجل وقيد العامل في الضمان، و30 بالمئة عند استمرار العلاقة ستة أشهر مع إثبات الإضافة الصافية للتشغيل، و40 بالمئة عند استمرارها 12 شهراً مع تقييم أداء إيجابي. وتتحمل الدولة حصة صاحب العمل كلياً ستة أشهر ثم نصفها ستة أشهر تالية، مع شرط بقاء العامل 18 شهراً واسترداد الدعم عند الفصل غير المبرر.
ويضاف إلى ذلك أرضية حماية الداخلين الجدد، وهي شرط شرعية لا تفصيل فني: لا يُصرف حافز إلا إذا زاد صافي عدد المسجلين في المنشأة بمقدار لا يقل عن عدد المنتقلين، وألا يقل نصيب الباحثين عن العمل لأول مرة عن 50 بالمئة من صافي التوظيف الجديد. هذه القاعدة تمنع تحويل برنامج تشغيل إلى برنامج مزاحمة للشباب.
العمالة الوافدة: إحلال منظم لا شعبوي
مع وجود عمالة وافدة واسعة تقدر رسمياً بمئات الآلاف بالتوازي مع ملايين الباحثين عن عمل، تتبنى الوثيقة إحلالاً منظماً يقوم على تحديد مهن قابلة للإحلال بمعيار توافر بديل وطني مؤهل فعلاً، وتهيئة البديل عبر التدريب المعتمد قبل أي تقييد، وتسعير تصاريح العمل بحيث تموّل رسومها تدريب البدلاء، ورقمنة التصاريح وربطها بسجل الضمان لكشف التشغيل غير الموثق. والحكم على البرنامج بمؤشرين متلازمين: نسبة الإحلال المتحققة، واستقرار إنتاجية المنشآت، حتى لا يتحول الإحلال إلى إضرار بالنشاط الاقتصادي.
النساء والشباب: الدولة تدفع الكلفة مرتين
أكثر من ثلث الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب، وبطالة الشابات تتجاوز 55 بالمئة في بعض القياسات الرسمية، ومشاركة النساء نحو 11 بالمئة، بينما تشمل الوزارة قرابة 600 ألف امرأة معيلة بإعانات الحماية. أي أن الدولة تدفع كلفة غياب تشغيل النساء مرتين: مرة كإعانات ومرة كناتج ضائع.
والمعالجة عن طريق حزمة مترابطة من رعاية أطفال ميسورة، وعمل مرن وعن بعد، وأمان مواصلات، وإنفاذ حقوق الأمومة في القطاع الخاص وفق قانوني العمل والضمان، ومسارات ريادة منزلية مربوطة بالأسواق.
وزارة العمل الذكية ومركز الأداء
التحول الرقمي هنا نموذج تشغيل لا بوابة إلكترونية: ملف اجتماعي موحد، وهوية رقمية للمستفيد، ومنصة موحدة، وأرشفة إلكترونية توقف إنشاء الملفات الورقية الجديدة اعتباراً من 2028، وذكاء اصطناعي تطبيقي يكشف الازدواجية ويطابق الباحثين بالشواغر ويتنبأ بالطلب والسيولة.
ويقترن ذلك بحوكمة أخلاقية صارمة للقرار الآلي: مبدأ الإنسان في الحلقة، بحيث لا يُنفَّذ أي قرار سلبي على مستفيد (رفض أو إيقاف أو استبعاد) إلا بموظف مخوَّل مع تسبيب وقابلية التفسير؛ واختبار الانحياز الدوري على النساء وذوي الإعاقة والمحافظات الفقيرة وحق التظلم البشري بمهل بت ملزمة.
أما مركز الأداء والإنذار المبكر فهو وحدة قيادة رقمية ترتبط بالوزير مباشرة، لا يمارس سلطة تنفيذية على الدوائر بل سلطة الحقيقة بياناته هي المرجع الرسمي الوحيد للأداء، وتغذيته إلزامية آلياً من جميع المنظومات. ويعمل بعتبات إنذار محددة سلفاً مثل انحراف صرف يتجاوز 5 بالمئة، أو فرق مطابقة مصرفية غير مفسر، أو تراكم معاملات يتجاوز 150 بالمئة من الطاقة، أو هبوط تسجيل ضماني يتجاوز 20 بالمئة عن المتوسط المتحرك، لكل منها لون ومسؤول ومهلة معالجة.
رأس المال البشري: إعادة توجيه لا تضخيم
التشخيص أظهر وفرة إجرائية وندرة معرفية حادة وهي كثافة في استلام المعاملات والتدقيق الورقي والصرف، مقابل ندرة في محللي البيانات ومصممي السياسات واقتصاديي العمل ومصممي الخدمات ومختصي الاستهداف. لذلك يقوم المحور على تحويل الوظائف المحررة بفعل الرقمنة إلى وظائف خدمة مباشرة وإدارة حالات وتحليل، باستحداث 1500 مدير حالة اجتماعية و300 محلل بيانات و250 مفتش عمل ذكي و60 مصمم سياسات و45 أخصائي أمن سيبراني وحوكمة بيانات، مع خطاب داخلي صريح: لا تسريح بسبب الرقمنة، بل انتقال إلى عمل أعلى قيمة.
خارطة الطريق والسيناريوهات
تمتد الخارطة من 2027 إلى 2031 بإدارة مكتب تحول داخل وحدة التحول الرقمي، وبكلف سنوية تقديرية تتراوح بين 180 و300 مليار دينار بحسب المرحلة، تنتهي بمرحلة تُعاد فيها وفورات الاستهداف إلى الاستثمار.
والمقارنة بين السيناريوهات تكشف الفارق بوضوح: في سيناريو الاستمرارية تبقى البطالة بين 12 و14 بالمئة عام 2031 مع بطالة شباب تتجاوز 30 بالمئة، وفي سيناريو الإصلاح المستهدف تنخفض إلى أقل من 8 بالمئة وبطالة الشباب إلى أقل من 15 بالمئة، وفي سيناريو الصدمة النفطية، أي هبوط الإيرادات أكثر من 25 بالمئة لسنتين، ترتفع البطالة من نقطتين إلى أربع نقاط مع ضغط مضاعف على الإعانات، وهو ما يجعل صندوق استقرار الإعانات وبرنامج الأشغال العامة الطارئ متطلبين وقائيين.
عشرة قرارات في السنة الأولى
تحدد الوثيقة ما يجب إنجازه في 2027 بدقة تنفيذية: إقرار الهيكل التنظيمي الجديد بقرار من مجلس الوزراء مع دمج التشغيل والتدريب والقروض في قطاع واحد، استحداث قطاع للسياسات والبيانات والاستشراف، إطلاق الملف الاجتماعي الموحد بالربط البيني الإلزامي خلال 18 شهراً، اعتماد الاستهداف متعدد المتغيرات لإعادة التدقيق الكامل خلال 24 شهراً، إقرار قاعدة التخرج المشروط مع حماية كاملة لغير القادرين، تأسيس مركز الأداء والإنذار المبكر، توقيع ميثاق الشراكة الوطنية للتشغيل، تحويل صندوق المشاريع الصغيرة من الإقراض المباشر إلى نموذج متكامل يشمل التدريب والإرشاد والمتابعة الرقمية، إطلاق برنامج تسريع الشمول بالضمان باستهداف 500 ألف مضمون جديد خلال سنتين، وإصدار حزمة تشريعية مساندة تشمل حوكمة البيانات وتبادلها.
الملف الأقرب حاجة للعراق
الترحيل الوظيفي من العام إلى الخاص (للضرورة)
يتضمن الملف مقترحاً منفصلاً يستحق قراءة مستقلة وهو نظام الترحيل الوظيفي الوطني، ويقدم بوصفه خطة طوارئ لا ملف إصلاحي عادي. والمبرر رقمي هو وجود اكثر من أربعة ملايين موظف حكومي، وكتلة رواتب قفزت من 47.2 تريليون دينار عام 2023 إلى نحو 60 تريليوناً عام 2024، ونحو 2.9 مليون متقاعد بالتزام شهري يقارب 1.808 تريليون دينار، وإجمالي التزامات يقارب 8 تريليونات شهرياً ولا يقل عن 90 تريليوناً سنوياً، مقابل قطاع خاص منظم لا يشمل سوى نحو 700 ألف عامل بالضمان الاجتماعي.
الحكم في خمسة أسطر كما ورد أن الدولة تدفع كتلة رواتب هي الأعلى في المنطقة نسبةً إلى اقتصادها وتمولها من إيراد نفطي متقلب، والقطاع الخاص المنظم أصغر من أن يستقبل خروجاً واسعاً، فالمشكلة في المقام لا في البسط ولا يوجد اليوم مسار قانوني تشغيلي يسمح للموظف بالانتقال دون خسارة سنوات خدمته عملياً وغياب المسار يدفع من يريد المغادرة إلى الاستقالة الصامتة أو البقاء غير المنتج وكلاهما خسارة صافية والتأخير ليس محايداً لأن كل سنة تأخير تعني تعيينات جديدة تثبت على الملاك فيرتفع المقام.
وثلاث نقاط في هذا المقترح تستحق الانتباه التنفيذي:
الأولى، العقبة المالية الحقيقية. المادة 19 ثانياً من قانون التقاعد الموحد 9/2014 تمنح الموظف الذي ترك الخدمة حق إضافة مدة خدمته الحكومية إلى خدمته اللاحقة في القطاع الخاص. لكن إضافة الخدمة تتطلب تسديد اشتراكات بنسبة 25 بالمئة يتحملها العامل وحده، أي نحو 36 مليون دينار لصاحب عشر سنوات خدمة ونحو 63 مليوناً لصاحب خمس عشرة سنة باحتساب توضيحي. الحق مقرر قانوناً لكنه مانع عملياً، وبلا معالجته لن يتقدم أحد. والحل الانتقالي المقترح: تجميد المدة الحكومية في صندوقها الأصلي مع سجل خدمة موحد يجمع المدتين لغرض الاستحقاق دون دمج الأموال، ثم دراسة اكتوارية للتحويل المالي خلال 18 شهراً.
الثانية، الشرط الذي يتوقف عليه كل شيء. لا يُحتسب أي توفير مالي ما لم يقترن خروج الموظف بقرار تجميد الدرجة الوظيفية أو إلغائها. التوفير ينشأ من إلغاء الدرجة لا من خروج الشخص. ووفق تحليل الحساسية، التجميد بنسبة 70 بالمئة يقرب البرنامج من التعادل، وبنسبة 50 بالمئة يتحول إلى نفقة صافية على الخزينة.
الثالثة، رفض النسبة الموحدة. يرفض المقترح فكرة إلزام المنشآت بنسبة ثابتة قدرها 30 بالمئة، لأن ثلاثة موظفين حكوميين سابقين في فريق من عشرة عاملين تعني انهيار قدرة الإدماج، ولأن الحافز يجعل المنتقل أرخص وأخبر من الخريج الجديد فتحصل مزاحمة مباشرة للشباب. البديل نطاق متدرج بحسب حجم المنشأة، من الإعفاء للمنشآت متناهية الصغر إلى سقف 25 بالمئة يرفع إلى 30 بالمئة بشروط للمنشآت الكبرى المستوفية لكل المتطلبات.
ويختم المقترح ببوابة توسع صريحة لا تعميم وطني قبل استيفاء عتبات محددة في تجربة أولية محدودة (1500 إلى 3000 مرشح و700 إلى 1200 ترحيل مكتمل خلال 12 شهر تشغيل وستة أشهر تقييم)، من بينها نسبة ترحيل فعلي تتجاوز 40 بالمئة، واحتفاظ بالوظيفة بعد 12 شهراً يتجاوز 75 بالمئة، وتجميد 100 بالمئة من الدرجات، وصفر حالات إكراه موثقة.
أجندة تشريعية من ثلاثين قرار
يرفق الملف ببنك قرارات يضم ثلاثين قرار مصاغ على بطاقة موحدة من عشرين خانة تغطي المشكلة ومصدرها الرسمي والسند القانوني والجهة المنفذة والمخاطر ومؤشرات الأداء والأثر المالي والأولوية. اثنان وعشرون منها تنفيذية بقرار من مجلس الوزراء، وثمانية تشريعية تحتاج مجلس النواب.
وأبرز التشريعية: استبدال قانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1987 بقانون منظمات عمالية حديث، بوصفه التزاماً دستورياً بموجب المادة 22 والتزاماً دولياً بموجب الاتفاقيتين 87 و98، وتعديل قانون العمل لاستحداث تأمين البطالة، وقانون رسم تنمية المهارات بنموذج الرسم والمنحة الممول من أصحاب العمل، وقانون الهيئة الوطنية للمؤهلات، وتعديل قانون رعاية ذوي الإعاقة لإضافة آلية جزاء وصندوق يحوّل نسبة التشغيل من نص نظري إلى إنفاذ فعلي، وتنظيم أشكال العمل الجديدة ونظام حماية الأجور الإلكتروني.
أما التنفيذية فتتصدرها ثلاثة قرارات مترابطة: الإطار الوطني للمؤهلات بثمانية مستويات، والمعايير المهنية الوطنية القائمة على الكفايات، ونظام الاعتراف بالتعلم السابق لتوثيق مهارات العاملين في الاقتصاد غير الرسمي. وهذه الثلاثة معاً هي البنية التحتية التي بدونها يصبح كل حديث عن التدريب والتشغيل بلا لغة مشتركة.
منهجية تستحق أن تقتدى
اعتمد المكتب حصراً مصادر رسمية ودولية موثقة، وأثبتها داخل النص عند كل رقم جوهري مع بيان سنة القياس. والأهم أنه حين تعددت التقديرات الرسمية لمؤشر واحد، كالبطالة، أُثبت المدى بين المصادر وسنة القياس بدل انتقاء رقم واحد. وهذه ممارسة نادرة في الوثائق الاستراتيجية العربية، وهي ما يجعل الوثيقة قابلة للتدقيق والتفنيد بدل أن تكون قابلة للتصديق فقط.
أكبر خطر منفرد
ليس نقص التمويل، فالقاعدة التمويلية موجودة داخل الإنفاق القائم. وليس غياب التشريع، فأغلب السند القانوني نافذ ويحتاج تفعيلاً لا تشريعاً من الصفر. الخطر الأكبر هو الضغوط السياسية على قوائم الإعانات، لأنها تحول تصحيح الاستهداف إلى معركة انتخابية، وتفرغ أي إصلاح من مضمونه. ومعالجتها كما وردت في مصفوفة المخاطر: معايير آلية معلنة، وتظلم شفاف، وإسناد من مجلس الوزراء، وفصل مؤسسي صارم بين وظيفة التدقيق ووظيفة التوسعة.
خلاصة
المشكلة أن ما تنفقه الوزارة معاير على هدف الرعاية لا لهدف الإنتاج. وكل عناصر التحول متاحة: قاعدة مستفيدين ضخمة تشكل أصلاً بيانياً وطنياً، وقانون ضمان حديث يواكب المعايير الدولية، وتمويل مضمون في الموازنة الثلاثية، وانتشار جغرافي في جميع المحافظات، وزخم حكومي للتحول الرقمي والربط البيني.
ما ينقص ثلاثة أشياء: ملف موحد يعرف المستفيد مرة واحدة، وبوابة خروج تحول الإعانة إلى محطة لا إلى مصير، وجهة قياس مستقلة يصدق رقمها. وإذا تحقق واحد فقط من هذه الثلاثة في السنة الأولى، فليكن الملف الاجتماعي الموحد، لأنه الشرط الذي يجعل الاثنين الآخرين ممكنين.
الوثيقة مقدمة بوصفها مقترح استراتيجي تنفيذي ضمن مبادرات رؤية العراق 2035، من مكتب تطوير المشاريع / القسم الاستشاري لتطوير مؤسسات العمل.
قم بمتابعتنا على صفحات التواصل
نتعاون معاً لتحسين الانتاجية
والاداء التنظيمي في مؤسسات العراق
info@dngo.org
+9647840222307
© 2023-2026 All Rights Reserved.
للاتصال الفوري بنا


