مقترح الاستراتيجية الوطنية للتنمية الزراعية في العراق - National Agricultural Development Strategy
مقترحات تطوير الدولةالاستراتيجيات الوطنيةالمناخ والزراعة المستدامة
قسم السياسات العامة
9/20/20261 دقيقة قراءة


العراق 2035
لماذا لم تعد زيادة الإنتاج الزراعي هدفاً كافياً؟
مقال مكتب تطوير المشاريع / قسم السياسات العامة
المفارقة التي تختصر الأزمة كلها
في مطلع تشرين الثاني 2025، أقر مجلس الوزراء الخطة الزراعية للموسم الشتوي بمساحة أربعة ملايين ونصف المليون دونم، بعد تأخر في الإقرار فرضه الجفاف وانخفاض الإيرادات المائية في دجلة والفرات. غير أن التفصيل الأهم في القرار لم يكن حجم المساحة، بل طريقة توزيعها: مليون دونم فقط على المياه السطحية، وثلاثة ملايين ونصف المليون دونم على المياه الجوفية. أي أن أكثر من سبعة وسبعين بالمئة من الخطة الزراعية الوطنية جرى تحميلها على المياه الجوفية.
والمياه الجوفية في العراق ليست مورد احتياطي وفير. تشير الدراسات العلمية الموثقة أممياً إلى هبوط في مناسيب الخزانات الجوفية يتراوح بين 0.7 و5.4 متر سنوياً منذ عام 2003، وإلى أن جنوب العراق وحده فقد ما يقارب 144 مليار متر مكعب بين عامي 2003 و2009. بعبارة أدق جرت معالجة أزمة المياه السطحية بتحميل الضغط على مورد يتناقص أصلاً بمعدلات حادة. وهذا ليس حلاً، بل تأجيل للأزمة مقروناً بتحويلها من مورد متجدد إلى مورد شبه ناضب وهو أسوأ أنواع التأجيل.
من هذه المفارقة تحديداً انطلق مكتب تطوير المشاريع في إعداد مقترح الاستراتيجية الوطنية للتنمية الزراعية في العراق 2035.
السؤال الخاطئ والسؤال الصحيح
معظم النقاش الزراعي العراقي، الرسمي والإعلامي على السواء، يدور حول سؤال واحد: كيف نزيد الإنتاج الزراعي؟ والوثيقة ترفض هذا السؤال لا لأنه غير مشروع، بل لأنه غير كافٍ، وتستبدله بسؤال أدق وأصعب: كيف يستطيع العراق بحلول عام 2035 أن ينتج الغذاء بصورة أكثر ربحية، وباستهلاك أقل للمياه لكل وحدة إنتاج، وبقيمة مضافة أعلى، وبقدرة أكبر على مواجهة تغيّر المناخ، وبقطاع خاص أقوى، ومزارع أعلى دخلاً، واقتصاد ريفي أكثر إنتاجية؟
الفرق بين السؤالين مصيري. السؤال الأول يقود منطقياً إلى توسيع المساحة المزروعة، وتوسيع المساحة في بيئة شحيحة مائياً يقود إلى استنزاف الخزين الجوفي وارتفاع الملوحة وخروج أراضٍ من الإنتاج. أما السؤال الثاني فيقود إلى إعادة تصميم المنظومة بأكملها، ما الذي نزرعه، وبأي تقنية، وبأي دعم، وبأي حوكمة، ولحساب أي سوق. وهذا هو الفارق بين خطة وزارة واستراتيجية دولة.
التشخيص: خمس حقائق حاكمة
الحقيقة الأولى أن القطاع صغير اقتصادياً وكبير اجتماعياً. بلغت مساهمة الزراعة والحراجة وصيد الأسماك نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023 وفق بيانات البنك الدولي، وتشغّل نحو 8.2% من إجمالي العمالة وفق التقدير النموذجي لمنظمة العمل الدولية، بينما يعيش أكثر من ربع سكان العراق في الريف. هذه الفجوة بين الوزن الاقتصادي والوزن الاجتماعي هي المفتاح لفهم القطاع أثره في الاستقرار الاجتماعي والتماسك الديموغرافي أكبر بكثير من أثره في أرقام الناتج، ووزنه في الاقتصاد غير النفطي أكبر بكثير مما توحي به النسبة الإجمالية.
الحقيقة الثانية أن المياه لا الأرض هي القيد الذي يحكم خبرائنا في هذه الدراسة. انهار الخزين المائي الحي من نحو ستين مليار متر مكعب عام 2020 إلى أقل من أربعة مليارات في كانون الأول 2025، قبل أن يرتفع إلى نحو عشرين ملياراً بعد موسم أمطار 2025 – 2026. غير أن قراءة هذا التعافي تحتاج انضباط فهو لا يغطي سوى ربع ما فُقد منذ 2020 تقريباً، ويبقى دون عشرين بالمئة من الطاقة الخزنية الكلية للمنظومة التي تتجاوز مئة مليار متر مكعب. يُضاف إلى ذلك أن تدفقات دجلة والفرات أدنى بنحو ثلاثين بالمئة من مستويات عام 1980، وأن نحو خمسة وسبعين بالمئة من موارد العراق المائية تنشأ خارج حدوده. وتتفاوت الصورة بين الحوضين فقد تعافى حوض دجلة بقوة حتى قارب سد الموصل طاقته التشغيلية الآمنة، بينما بقي سد حديثة على الفرات عند مستوى منخفض لعدم كفاية الوارد. أي أن الأزمة اليوم أزمة فرات أكثر منها أزمة دجلة.
الحقيقة الثالثة أن الاعتماد على الاستيراد بنيوي لا ظرفي. قُدّرت احتياجات استيراد القمح لموسم 2025/2026 بنحو 2.4 مليون طن، أي أعلى بنحو ثمانية بالمئة من متوسط خمس سنوات، ويستورد العراق قرابة تسعين بالمئة من احتياجه من الأرز، ويعد من أكبر مستوردي الطحين في العالم. والمسألة هنا ليست في الاستيراد بذاته، بل في كونه غير مُدار بعقود طويلة الأجل ومصادر متنوعة ومخزون مؤمَّن فالاستيراد المستقر قرار سيادي، والاستيراد المتقلب هشاشة.
الحقيقة الرابعة أن الأصول الاستراتيجية تُباع خاماً. العراق الأول عالمياً في عدد النخيل بأكثر من اثنين وعشرين مليون نخلة، والرابع عالمياً في إنتاج التمور، لكنه ليس الأول ولا الرابع في القيمة المتحققة. القيمة في هذه السلعة لا تخلق في البستان بل في الفرز والتدريج والمعالجة الحرارية والتعبئة والعلامة التجارية وشهادات المطابقة والنفاذ إلى رفوف التجزئة العالمية وهي حلقات يقوم بها آخرون على تمر عراقي يعاد تصديره بأسعار مضاعفة. ويستحق الانتباه هنا مؤشر مهم: تصدير نحو مئة ألف طن من معجون التمر خلال عام 2025 هو أول دليل كمّي على أن التصنيع ممكن وقابل للتوسع.
الحقيقة الخامسة، وربما أخطرها، أن البيانات نفسها فجوة. أبرز ما كشفه إعداد هذه الوثيقة هو ضعف البيانات التي يقاس بها الأداء. لا تتوفر سلاسل رسمية منشورة ومحدثة عن الاستهلاك المائي القطاعي للزراعة، ولا عن نسبة المساحة المروية بالري الحديث، ولا عن نسب الفقد بعد الحصاد والسعة التخزينية المبردة، ولا مسح وطني حديث للملوحة والبزل، ولا عن صافي دخل المزارع وكلفة إنتاج المحاصيل الرئيسية. بل إن التقدير الرسمي لإنتاج القمح لعام 2025 والمقدر بنحو 4.4 مليون طن يستثني إقليم كردستان وعدداً من القرى في نينوى وكركوك وديالى والأنبار وصلاح الدين، وهو ما يجعل أي حساب لنسبة الاكتفاء الذاتي من القمح غير قابل للحسم بالبيانات المنشورة حالياً.
الخلاصة التشخيصية
يمكن اختصار التشخيص في جملة واحدة: المشكلة ليست نقص الأرض، ولا نقص المزارعين، ولا غياب الدعم. المشكلة أن منظومة زراعية مصممة لبيئة مياه وفيرة ما زالت تدار في بيئة مياه شحيحة. فالري السطحي التقليدي ما زال الغالب، وشبكات النقل والتوزيع تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وتعمل بكفاءة تقارب ستين بالمئة، والدعم السعري يكافئ الكمية لا الكفاءة، والخطط الموسمية تُقرّ متأخرة تحت ضغط الجفاف بعد فوات النافذة الزراعية المثلى. هذه كلها عناصر منظومة معايرة لإنتاج أقصى ما تستطيع من كل دونم، لا أقصى ما تستطيع من كل متر مكعب. وهذا بالضبط هو الانقلاب المفاهيمي الذي تقوم عليه الاستراتيجية.
محور التحول المقترح
تقوم الوثيقة على أربعة انتقالات متزامنة، وكلمة متزامنة هنا شرط نجاح.
الانتقال الأول من إنتاجية الدونم إلى إنتاجية المتر المكعب، بحيث تصبح وحدة القياس الوطنية هي كمية الإنتاج أو قيمته المتحققة من كل متر مكعب من المياه المستهلكة فعلياً. والانتقال الثاني من الدعم بالكمية إلى الدعم بالكفاءة، أي تحويل أكبر بند إنفاق قائم في القطاع من نفقة جارية متكررة إلى أداة تنفيذ للسياسة المائية. والانتقال الثالث من الدولة المشغِّلة إلى الدولة المنظِّمة والممكِّنة، بحيث تتفرغ الدولة لما لا يستطيع غيرها القيام به: التشريع، وتخصيص المياه، والبيانات، والبحث، والمطابقة، والمخزون الاستراتيجي، والبنية التحتية الكبرى. والانتقال الرابع من بيع الخام إلى التصنيع والعلامة والتصدير، وهو المصدر الأكبر للنمو المتاح للعراق لأنه يزيد القيمة دون أن يزيد استهلاك المياه.
وقد تُرجم ذلك كله إلى اثنين وعشرين برنامجاً وطنياً، وعشرين فرصة استثمارية كبرى، وثلاث مراحل تنفيذية تمتد من 2027 إلى 2035، واثنين وثلاثين مؤشر أداء وطنياً، وثمانية عشر خطراً مشخصاً بإجراءات تخفيف، وستة عشر تدخلاً تشريعياً وسياساتياً.
أصعب قرار في الوثيقة: الاكتفاء الذكي لا الاكتفاء الشامل
يقوم المنطق السائد على افتراض أن كل سلعة استراتيجية يجب أن تُنتج محلياً. وترفض الوثيقة هذا الافتراض وتضع مكانه معياراً خماسياً تقيم به كل سلعة: أهميتها للأمن الغذائي، وجدوى إنتاجها اقتصادياً، واستهلاكها المائي لكل وحدة إنتاج، والقيمة المضافة الممكنة محلياً، وقدرتها التصديرية.
وتنتهي هذه المصفوفة إلى ثلاث دوائر قرار واضحة. دائرة النمو وتضم التمور ومشتقاتها والخضر المحمية والدواجن والبيض والأسماك المستزرعة والألبان، وهي محفظة النمو الحقيقية للعراق لأنها تجمع بين كفاءة مائية نسبية وقيمة مضافة عالية وقدرة تشغيلية، وتُمنح الأولوية في المياه والدعم والائتمان والتصنيع والتصدير. ودائرة الأمن وتضم القمح والشعير والفواكه واللحوم الحمراء، وهي سلع تُدار للاستقرار لا للنمو، وتحتاج إدارة مخاطر من مساحة معقولة ومخزون ممتد وتأمين وتحسين إنتاجية أكثر مما تحتاج توسعاً في المساحة. ودائرة التأمين بالتجارة وتضم الأرز والسكر والزيوت النباتية والذرة العلفية، وهي سلع كثيفة الاستهلاك المائي ومتدنية العائد لكل متر مكعب، يُؤمَّن توفيرها عبر عقود استيراد متنوعة ومخزون وطني لا عبر التوسع الزراعي المروي.
والرسالة هنا صريحة ولا تحتمل التلطيف أن الاستيراد ليس هزيمة، بل الاستيراد غير المُدار وغير المؤمَّن هو الهزيمة. والفرق بينهما مخزون استراتيجي وتنويع مصادر وعقود طويلة الأجل وقدرة تمويلية.
تحذيران فنيان يغيران التصميم كله
التحذير الأول يتعلق بما يُعرف بمفارقة الكفاءة. فأخطر خطأ ممكن في تنفيذ برنامج تحديث الري أن يُستخدم الوفر المائي الناتج عنه في توسيع المساحة المزروعة بدل خفض السحب الكلي. عندها ترتفع الكفاءة الفنية ويرتفع الاستهلاك الإجمالي معها، فتكون النتيجة عكس المقصود تماماً. وهذه المفارقة موثقة عالمياً في تجارب عدة، والضمانة الوحيدة ضدها أن تُثبَّت الحصة المائية للحوض والمنطقة أولاً، ثم يُترك للمزارع حرية تعظيم إنتاجه داخل تلك الحصة لا العكس.
التحذير الثاني يتعلق بهشاشة الاكتفاء المُعلن في البروتين. أعلنت وزارة الزراعة أن إنتاج الدواجن يقارب 1.17 مليون طن سنوياً ويغطي الطلب على لحم الدجاج، وجرى حظر استيراد الدجاج المذبوح المجمّد والمنتجات المصنّعة. لكن العلف يمثل نحو سبعين بالمئة من كلفة الإنتاج، وارتفع بنحو ثلاثين بالمئة نتيجة تقلبات سعر الصرف وكلف النقل، ومصادره مستوردة أساساً. أي أن اكتفاءً مبنياً على سلسلة علف مستوردة هو اكتفاء ظاهري ما لم تُبنَ قاعدة أعلاف وطنية. وأي سياسة حماية بالحظر لا تعالج كلفة العلف والطاقة والتمويل تنقل العبء إلى المستهلك بدل أن تبني تنافسية.
أرخص متر مكعب هو الذي لم يُهدر أصلاً
من المفاهيم التي تعيد الوثيقة ترتيبها مفهوم توفير المياه نفسه. يتركز الجهد العام عادةً على الري الحديث في الحقل، بينما الوفر الحقيقي موزع على حلقات عدة. فالهدر في النقل والتوزيع عبر القنوات المكشوفة بالتسرب والترشيح والتبخر لا يقل أهمية عن الهدر في الحقل، والري الحديث في مزرعة تصلها المياه عبر شبكة متهالكة استثمار ناقص الأثر. لذلك توصي الوثيقة بأن يسير برنامج تبطين الشبكات وصيانتها متزامناً مع برنامج تحديث الري لا بعده.
ويضاف إلى ذلك بُعد كثيراً ما يُغفل وهو الفقد بعد الحصاد هو في جوهره هدر مائي. فالطن الذي يتلف في الطريق لغياب التبريد أو التخزين استُهلكت مياهه بالكامل ثم ضاعت معه. وهذا يجعل سلاسل التبريد ومراكز التجميع مشروعاً مائياً بقدر ما هو مشروع لوجستي.
أسرع مكسب متاح ليس ما يُتوقع
حين يُطرح سؤال من أين نبدأ؟، يميل الجواب إلى المشاريع الكبرى: مصانع، واتفاقيات تصدير، ومشاريع استصلاح واسعة. لكن أسرع مكسب متاح في سلسلة القيمة العراقية أبسط من ذلك بكثير: الفرز والتدريج. فتحويل كمية متجانسة من التمر أو الطماطم إلى ثلاث درجات سعرية لا يحتاج مصنعاً ولا اتفاقية تجارية ولا تشريعاً جديداً، بل خط فرز في مركز تجميع ومعياراً معلناً للجودة. وهو التدخل الوحيد الذي يرفع دخل المزارع خلال موسم واحد من دون متر مكعب إضافي من المياه.
القرارات الست المطلوبة الآن
أول القرارات اعتماد قاعدة المتر المكعب رسمياً، بحيث يُربط تخصيص المياه والدعم والائتمان بإنتاجية المتر المكعب لا بالمساحة. وثانيها إنشاء المرصد الوطني للزراعة والأمن الغذائي خلال اثني عشر شهراً، بسجل مزارعين وخرائط أراضٍ رقمية ولوحة قيادة وطنية تعرض على صانع القرار في أي لحظة الخزين المائي المتاح ومدة تغطيته، والمساحة المزروعة الفعلية مقابل المخطط، ومخزون القمح بالأشهر، ومؤشر إنتاجية المتر المكعب. وثالثها إطلاق البرنامج الوطني لتحديث الري بنموذج تمويل مشترك بين الدولة والمزارع والمصرف، بدل التوزيع المجاني المتقطع الذي لا يبني ملكية ولا يضمن صيانة.
ورابعها إعادة هندسة الدعم الزراعي بتحويل جزء من دعم السعر إلى دعم مشروط بالتقنية والكفاءة والالتزام بالخطة، عبر قسائم إلكترونية تمر بسجل المزارعين فتصبح قابلة للاستهداف والتدقيق. وخامسها تحويل التمور من سلعة خام إلى صناعة وطنية بعلامة عراقية موحدة وبنية فحص ومطابقة معترف بها دولياً. وسادسها إقرار حزمة تشريعية مركّزة تشمل قانون الأمن الغذائي والمائي، ونظام تنظيم المياه الجوفية، وتعديلات قانون الاستثمار للأنشطة الزراعية بما يتيح حق انتفاع طويل الأجل قابلاً للرهن، وقانون تأمين المحاصيل، وقانون سلامة الغذاء.
ويستحق أن يضاف إلى ذلك ما تسميه الوثيقة ميثاق استقرار السياسات الزراعية. فأكبر مخاطرة يواجهها المستثمر الزراعي في العراق ليست المناخ ولا السوق، بل عدم استقرار القاعدة التنظيمية: قرار بحظر استيراد سلعة أو فتحه قد يغيّر جدوى مشروع بالكامل بين ليلة وضحاها. والميثاق المقترح يلزم بإعلان أي تغيير في سياسات الحظر أو التسعير أو الحصص قبل موسم كامل على الأقل، وبعدم تطبيقه بأثر رجعي على مشاريع مرخّصة قائمة.
أكبر خطر منفرد ليس الجفاف
الجفاف حدث متكرر ومعروف ويمكن التخطيط له. الخطر الأكبر هو أن يُقرأ موسم مطري جيد كموسم 2025–2026 بوصفه إشارة عودة إلى الوضع الطبيعي، فتُصرف مكاسب الخزين على توسّع زراعي مستهلك للمياه بدل أن تُستثمر في الإصلاح. وقد نبّه فريق الأمم المتحدة للمياه في العراق صراحةً إلى أن طلبات زراعة الشلب المُجازة قد تبدد مكاسب هذا الموسم قبل حلول الموسم المطري التالي.
والقاعدة التي تقترحها الوثيقة قاطعة في هذا الشأن: الفائض المائي رأسمال يُستثمر في الخزن والاستصلاح وتحديث الري، لا دخل يُنفق في توسيع المساحة. وهذه اللحظة تحديداً هي التي تُختبر فيها الاستراتيجيات.
حماية ما لا يُعوَّض
ليست كل خسارة زراعية متساوية. فهناك أصول إذا فُقدت لا تُستعاد خلال عمر الاستراتيجية كلها: النخيل الذي يحتاج سنوات لبلوغ الإنتاج وقد تراجعت أعداده من نحو ثلاثة وثلاثين مليون نخلة قبل سبعين عاماً إلى نحو اثنين وعشرين مليوناً اليوم، والبساتين المثمرة الدائمة التي تقارب ثلاثمئة ألف هكتار من الأشجار المتداخلة مع النخيل؛ والأهوار الجنوبية التي يعتمد عليها أكثر من أربعة ملايين نسمة في ذي قار وميسان والبصرة، والتربة غير المتملحة في السهل الرسوبي التي يصبح استصلاحها بعد عبور عتبة معينة غير مجدٍ اقتصادياً.
ولذلك توصي الوثيقة بإدراج قائمة الأصول الزراعية غير القابلة للتعويض رسمياً في السياسة المائية، بحيث تخصص لها المياه بالأولوية بعد مياه الشرب مباشرةً وقبل المحاصيل الحقلية الموسمية، حتى في سنوات الشح الحاد.
منهجية مصممة لتكون قابلة للتفنيد
اعتمدت الوثيقة قاعدة أن لا يُستخدم رقم ولا ادعاء هام بلا مصدر وسنة. وصُنف كل محتوى في أربع فئات معلنة: بيانات مؤكدة منشورة من مصدر رسمي عراقي أو مؤسسة دولية، وتحليل يمثل استنتاج الفريق المُعِد، وافتراض تشغيلي استخدم لبناء النماذج، وتوقع استراتيجي مشروط بتحقق الافتراضات.
خلاصة
العراق لا يواجه مشكلة زراعية بقدر ما يواجه مشكلة معايرة. فالمنظومة القائمة مُعايَرة لهدف قديم تعظيم المساحة والكمية في بيئة موارد لم تعد تحتمله. وكل عناصر الحل موجودة داخل البلاد: أرض، وشمس وافرة، وسوق محلية كبيرة، وقرب جغرافي من أسواق الخليج، وأصل عالمي في التمور، وقاعدة دواجن قائمة، وتجربة حكومية أثبتت في 2025 – 2026 أنها قادرة على اتخاذ قرارات مائية صارمة حين تضطر إليها.
ما ينقص ثلاثة أشياء فقط: بيانات قابلة للتدقيق، وقاعدة قرار موحّدة تجمع المياه والزراعة والتجارة والتخطيط والمالية في مسار واحد، واستمرارية عبر الدورات الحكومية تحمي الإصلاح من الانقطاع كل أربع سنوات.
وإذا نجح العراق في شيء واحد فقط من هذه الاستراتيجية حتى عام 2035، فليكن قياس ومضاعفة إنتاجية المتر المكعب من المياه. كل شيء آخر الدخل، والتصدير، والتشغيل، والصمود المناخي، والاستثمار، والاستقرار الريفي سيتبع هذا المؤشر أو يسقط معه.
الوثيقة الكاملة المكونة من خمسين صفحة متاحة بوصفها مقترحاً استراتيجياً وطنياً غير ملزم، مُعدّاً للعرض على الجهات الحكومية المختصة وصناع القرار وبيوت الخبرة - مكتب تطوير المشاريع / قسم السياسات العامة.
قم بمتابعتنا على صفحات التواصل
نتعاون معاً لتحسين الانتاجية
والاداء التنظيمي في مؤسسات العراق
info@dngo.org
+9647840222307
© 2023-2026 All Rights Reserved.
للاتصال الفوري بنا


