مقترح السياسات الوطنية لتنمية المراهقين - National Policy for Adolescent Development
مقترحات تطوير الدولةالاستراتيجيات الوطنيةبناء الأسرة
قسم السياسات العامة
8/31/20261 دقيقة قراءة


الملف الذي تدفع الدولة ثمنه مرتين إذا أجلته
قراءة في حزمة السياسات التشريعية والقرارات التنفيذية لتنمية المراهقين
سؤال واحد لا تملك الدولة إجابة واحدة عليه
من الجهة المسؤولة عن مراهق عراقي في السادسة عشرة ترك مقعده الدراسي قبل ثمانية أشهر؟ اطرح السؤال على التربية تحِلك إلى الأسرة. اطرحه على العمل تقل لك إنه دون سن التشغيل النظامي. اطرحه على الداخلية تقل لك إنه لم يرتكب مخالفة. اطرحه على القضاء يقل لك إنه لم يعرض عليه. الإجابات كلها صحيحة قانوناً، وهذا بالضبط ما يجعلها كارثية سياساتياً، حين تكون كل جهة محقة في نفي المسؤولية، فإن المسؤولية غير موجودة أصلاً.
هذا ليس قصور إداري يعالج بتعميم أو حملة توعية. إنه فراغ تشريعي مهيكل. الدولة العراقية تعرف الطفل، وتعرف البالغ، ولا تعرف المراهق. والفئة العمرية 10 - 19 تعيش في منطقة رمادية بين تعريفين، تدار بقوانين أقدمها من عام 1959 وأحدثها لم يصمم لها أصلاً. نحن لا نفشل في إدارة هذا الملف، نحن لم نفتحه بعد.
الكلفة لا تلغى بالتأجيل، بل تؤجل مضاعفة
تقوم فلسفة هذه الحزمة على مقولة مركزية لرئيس مكتب تطوير المشاريع حسن السلمان:
"الدولة التي تستثمر في مراهقيها اليوم، تختصر على نفسها كلفة إصلاح شبابها غداً، وتحصد جيلاً يبنيها بدلاً من أن يثقلها."
وهذه هي المعادلة المالية للدولة. المراهق المتسرب اليوم هو عاطل غداً، والعاطل غداً هو عبء دائم على الضمان والرعاية والأمن. الدولة لا تختار بين الإنفاق وعدم الإنفاق، هي تختار بين إنفاق تنموي محسوب مسبقاً، وإنفاق علاجي مفتوح تدفعه لاحقاً بلا سقف وبلا عائد. كل سنة تأجيل ليست توفير، بل شراء للكلفة بالدين.
السؤال الذي يجب أن يطرح على مجلس الوزراء ليس: كم يكلف تنفيذ هذه الحزمة؟ بل: كم كلفتنا سنوات عدم تنفيذها؟
ما الذي يجعل هذه الوثيقة مختلفة عن عشرات الوثائق قبلها؟
الفارق ليس في التشخيص. التشخيص معروف ومكرر. الفارق في أن كل بند في هذه الحزمة ينتج أثر قانوني قابل للتقاضي أو للمساءلة، إما واجب قانوني على جهة مسماة، أو صلاحية إدارية محددة، أو شرط مالي مربوط بالموازنة، أو جزاء على مخالف بعينه. لا يوجد في الجدولين بند واحد يمكن تنفيذه بمؤتمر أو ورشة أو بيان.
هذا هو الاختبار الذي تسقط فيه معظم السياسات الوطنية في العراق، تكتب بلغة الأهداف لا بلغة الالتزامات. والفرق بينهما هو الفرق بين وثيقة تؤرشف ووثيقة تنفذ.
المسار التشريعي: إعادة توزيع الواجبات لا تكثير النصوص
تتحرك السياسات العشرون على أربعة أقسام متشابكة.
القسم الأول يبني التعريف نفسه: قانون إطار لتنمية المراهقين (10 - 19) يجعل تنمية الملكات التزام دولة، ويفرض تقييم أثر أي تشريع لاحق على هذه الفئة. من دون هذا القانون تبقى بقية البنود تعديلات متفرقة بلا مرجعية جامعة.
القسم الثاني يكسر مثلث الاستنزاف من التسرب المدرسي، والزواج المبكر، والعمل غير المنظم. هنا ترفع السياسة الثانية إلزام التعليم حتى إتمام المتوسطة أو سن السادسة عشرة، وتثبت السياسة الخامسة سن الزواج عند الثامنة عشرة مع حصر الاستثناء القضائي، وتخرج السياسة السادسة تشغيل الفئة 15 - 19 من السوق غير المنظم إلى علاقة قانونية مشروطة بالتدريب واستمرار التعليم ومنع العمل الخطِر. وتغلق السياسة الرابعة عشرة الحلقة حين تربط استمرار إعانة الأسرة بالدوام أو التدريب، فتتحول الإعانة من بدل عن الواجب الأسري إلى أداة امتثال. هذه الأربعة تعمل معاً أو لا تعمل! من يرفع سن الزواج دون أن يعالج التسرب يكون قد نقل المشكلة لا حلها.
القسم الثالث يعيد تعريف الحماية. تحويل قانون الأحداث من منطق عقوبة الجنوح إلى منطق وقاية حالة الخطر يعني أن المحكمة تصبح آخر الحلقة لا أولها، وأن التسرب والإدمان والعنف تعامل بوصفها حالات خطر تستوجب تدخلاً مبكراً. ويسند ذلك قانون حماية الطفل بباب خاص بالمراهق وواجب تبليغ ملزم، وتجريم العنف الأسري الذي يخرج العنف من الشأن الخاص إلى اختصاص الدولة، وتجريم الاستدراج الرقمي للمراهقين للعنف والإتجار والاستغلال، مع التزامات تصنيف وحذف وتسليم بيانات تقع على المشغل المرخص لا على حملات التوعية.
القسم الرابع هو الأكثر إغفالاً في بناء الحاضنة. الإرشاد النفسي والمهني وكشف الموهبة بوصفه مرفق مدرسي إلزامي بنصاب ملزم لا بمتعاقد مشروع، ومعيار ملزم للملاعب والقاعات يجعل الاستحقاق شرط عمراني في إجازة البناء لا شعار رياضي يرسم على حوائط المرفقات ومسار قانوني للموهوب يحول الموهبة من منحة وزارة إلى حق تنظيمي، ونسبة حد أدنى من موازنة المحافظة تجعل الإخلال مخالفة مالية لا تقصير إداري يصور بفيديو داخل المؤسسات بجلد للذات! وعقد تدريب ثلاثي بين الدولة والمنشأة والمراهق يعالج ظاهرة الـNEET بوصفها خللاً مؤسسي لا بطالة فردية.
المسار التنفيذي: لو اردنا عدم انتظار البرلمان
هنا يكمن أهم ما في الوثيقة. القرارات العشرة لا تطلب تشريع جديد، إنها تفعل أدوات قائمة بموجب المادتين 78 و80 من الدستور. أي أن مجلس الوزراء يستطيع أن يبدأ خلال أسابيع، لا خلال دورة برلمانية.
مجلس أعلى لتنمية المراهقين برئاسة رئيس مجلس الوزراء ينهي التوازي بين الوزارات بصلاحية توجيه ملزمة لا بلجنة تنسيق شكلية. وسياسة عامة اتحادية 2035 بمؤشرات تسرب وNEET وإدمان وزواج دون 18 تحول الملف إلى بند أداء يدخل في تقييم الوزير والمحافظ. ثم يأتي القرار الأذكى تقنياً في ربط قواعد التربية بالبطاقة الوطنية والضمان والتموين لكشف المتسرب خلال ثلاثين يوماً ببلاغ تلقائي. الدولة هنا تكف عن انتظار الشكوى وتبدأ برؤية المراهق الغائب آلياً.
ويستكمل ذلك مرصد وطني فصلي يجعل السياسة ترسم على رقم لا على انطباع، وكشف نفسي مدرسي إلزامي مرتين سنوياً بإحالة سرية تمنع إدخال المراهق إلى مصحات البالغين، وحصص تدريب مهني ملزمة على الوزارات والشركات العامة يكون الامتناع عنها مخالفة على رئيس الجهة، وفتح المنشآت الرياضية بعد الدوام مجاناً، ومنع استلام أي مدرسة بلا ملعب ومختبر وقاعة إرشاد. وأخيراً نسبة ثابتة محمية من الموازنة الاستثمارية لا تدور إلا بموافقة مجلس الوزراء وتظهر في الحساب الختامي وهو البند الذي يحمي الحزمة كلها من التبخر في المناقلات.
الاعتراض المتوقع، والرد عليه
سيقال إن للدولة أولويات أكثر إلحاحاً مثل الكهرباء، والمياه، والموازنة، والأمن. وهذا اعتراض وجيه شكلاً، فاسد منطقاً. فكل ملف من هذه الملفات يقاس بأثره على المواطن، والمراهق هو المواطن الذي لم يكتمل تكوينه بعد، أي أن كل خلل في الملفات الأخرى يتراكم فيه هو تحديداً، ثم يعود إلى الدولة بعد سنوات في صورة كلفة أعلى وقابلية إصلاح أدنى.
وسيقال أيضاً إن هذه بنود اجتماعية تصرف عليها ولا تدر. وهذا الخلط بين الإنفاق والاستثمار هو بالضبط ما تعالجه الحزمة حين تربط التدريب بالمنشأة الاستثمارية، والإعانة بالدوام، والموازنة المحلية بمرفق قابل للقياس. البنود ليست تحويلات نقدية، إنها شروط ربط.
وثمة اعتراض ثالث أكثر صراحة هو أن الملف بلا صاحب سياسي يكسب منه. وهذا صحيح، وهو تحديداً سبب بقائه معلقاً عقدين. غير أن المعادلة تنقلب حين يصبح للملف مؤشر أداء منشور فصلياً ونسبة موازنة محمية عندها يتحول غياب الصاحب إلى مسؤولية موزعة يصعب التهرب منها.
الترتيب هو السياسة
الحزمة ترتب نفسها على أربع مراحل تبدأ من قرارات فورية تنشئ جهة قيادة وبيانات ومال محمي، ثم تشريع أول يكسر مثلث التسرب والزواج المبكر والعمل غير المنظم، ثم تشريع ثاني يغلق ثغرات الحماية والاستغلال الرقمي، ثم بناء الحاضنة. هذا الترتيب تفاوضي حيث من يبدأ بالبند الخلافي يخسر الحزمة كلها، ومن يبدأ بالبنية التحتية المؤسسية يشتري لنفسه شرعية تنفيذ.
نقطة الاشتباك الوحيدة
الأمانة السياساتية تقتضي تسمية التعارض بدل تجميله، السياسة الخامسة تشتبك مع تعديلات قانون الأحوال الشخصية لعام 2025، وهي وحدها التي تحتاج حسم سياسي مبكر. أما بقية البنود فقابلة للتمرير على أساس المواد 29 و34 و80 دون انتظار أي تعديل دستوري. وهذه معلومة تفاوضية بالغة الأهمية تسعة عشر بند من عشرين لا تحتاج معركة.
السؤال الأخير
المراهقون اليوم هم أكبر كتلة سكانية في العراق وأقلها تمثيلاً في التشريع. إما أن تدار هذه الكتلة بسياسة، أو تدار بردود الأفعال. والفرق بين الخيارين لن يظهر في تقارير هذا العام، بل في تركيبة سوق العمل وملفات القضاء وكلفة الرعاية بعد عشر سنوات.
فأيهما أرخص على الدولة: أن تبني مراهقاً، أم أن تصلح شاباً؟
قم بمتابعتنا على صفحات التواصل
نتعاون معاً لتحسين الانتاجية
والاداء التنظيمي في مؤسسات العراق
info@dngo.org
+9647840222307
© 2023-2026 All Rights Reserved.
للاتصال الفوري بنا


